وليد علاء الدين يكتب: تحولات العصر والإبداع










نشر في:
الجمعة 23 سبتمبر 2022 – 6:21 م
| آخر تحديث:
الجمعة 23 سبتمبر 2022 – 6:21 م

نعيش فى عصر طُويت فيه المسافة والزمن، الجغرافيا والوقت. عمليًا لم يعد كل من الوقت أو المسافة شريكًا مؤثرًا أو حاكمًا فى أىٍّ من معادلات العمل والحياة، إذ نجحت وسائل التنقل وأدوات التواصل فى تقليص سيطرتهما إلى حد يسمح بعدم التفكير فيهما إلا بعد الانتهاء من مراحل التخطيط الأساسية.
هذا هو إيقاع العصر الذى نعيشه. لا يجوز تسميته بأنه مجرد «إيقاع سريع»؛ هذا انطباع مبدئى خاطئ، يقود عادة إلى أحكام متسرعة وكثير منها خاطئ، من قبيل أن العصر السريع اللاهث سوف يشجع بالتالى على إنتاج أشكال أدب وفنون سريعة ولاهثة، وبالتالى ينهض الشعر لأنه أسرع إيقاعًا من القص، وتنهض الأقصوصة لأنها أسرع وأقصر من القصة، وتنهض القصة لأنها أسرع إيقاعًا وأقصر من الرواية… وهكذا إلى ما لا نهاية له من استنتاجات تتسبب بالتبعية فى صياغة تساؤلات مغلوطة، من قبيل: كيف تكون الرواية ــ وليس الشعر، أو ــ على الأقل القصة ــ أكثر انتشارًا فى عصر سريع الإيقاع ولاهث؟ أو: لماذا يتجه الشعراء إلى كتابة الرواية بينما ننتظر العكس؟ و: لماذا لم تحظ بالنجاح الباهر محاولات القصة القصيرة جدا أو الومضة، أو غير ذلك من أشكال تجريب على الرغم من أنها مناسبة لإيقاع الحياة اللاهث؟ هذا على صعيد الإنتاج، وعلى صعيد التلقى يكون السؤال: لماذا يُقبل القراء على الروايات، وليس القصة وليس الشعر؟
فى ظنى نحتاج ــ لفهم الأمر، إلى تفكيك لما يبدو خلطًا فى الفهم بين «تحول إيقاع العصر من البطء إلى السرعة»، وبين ما يحدث الآن ونحاول وصفه بـ«القدرة على تدجين الوقت والمسافة، بحيث صار كل منهما عنصرًا خاضعًا للتشكيل، وليس ــ كما كانا من قبل ــ ثابتين ينبغى البناء على أساسهما».
المعنى المغلوط هو أن إيقاع العصر قد تحول من بطىء إلى سريع، بمعنى اختلاف طبيعة «الثابت» الذى لا يمكن التحكم فيه؛ كان بطيئًا، وصار سريعًا، وعلينا أن نتحول فنجاريه فى سرعته لنستطيع التعامل معه.
أما المعنى المناسب لما حدث فى عصرنا فهو أن الزمن والمسافة لم يعودا ثابتين. يمكننا إذن التنقل بين البطء والسرعة. يمكننا اختيار السرعة والوقت المناسبين على مؤشر صاعد هابط شديد الحساسية يمتلك طيفًا مذهلًا من الاختيارات.
إذن الوقت لم يتغير، لكن تغيرت قدرتنا على شغله والإفادة منه. كما أن المسافات لم تتقلص أو تنكمش إنما تطورت قدراتنا على قطعها فى وقت أقل، وبعناء أقل. أو من دون عناء على الإطلاق، بل فى راحة تجعلنا ــ بينما نقطع المسافات ــ قادرين على الإفادة من الوقت، والتواصل، والإنجاز والعمل… أو الراحة، صرنا نمتلك خياراتنا، وبالتالى لم تعد للمسافات إلا ما نحدده لها من قيمة، نختارها ولا تفرضها علينا الطبيعة.
إذا أضفنا إلى هذا التفسير فكرةً أخرى، هى بالأساس متضمنة فى مفهوم السرعة… وهى سرعة التوصل بأدق تفاصيل ما نرغب فيه من معلومات، بل مقارنة وجهات النظر المختلفة بشأن الأمر نفسه وأسباب الاختلاف أو الخلاف. وسرعة معاينة مكان عبر زيارته افتراضيا إذا أغنت الزيارة الافتراضية عن زيارته الميدانية… إلى آخر ذلك من أمور كانت معقدة ومرهونة بعاملى الزمن والمسافة، باعتبارهما ثابتين لا يتمتعان بالمرونة، يتحكمان فى كل هذه الرغبات أو الوظائف بدرجات تحول دون تحقيق الكثير منها، أو على الأقل تأجيل حدوثه فى كثير من الأحيان.
فى عصرنا الراهن باتت هذه الوظائف متاحة بمرونة يكاد بسببها ينعدم تأثير الزمن والمسافة، إلى حد لم يعد معه توافر مصادر المعلومات والمعارف قيمة فى حد ذاته، وصار التقييم مرهونًا بسؤال الإضافة: ما الذى يمكنك أن تقدمه من خلال هذه المعلومات والمعارف؟ كيف تعالجها وتستخدمها وتعيد تقديمها وتحقق إضافة من خلالها؟
تعرف الأجيال التى عاشت زمنين ــ وأنا واحد منهم، الفرق بين مقالة صحفية اكتسبت كل قيمتها من امتلاك صاحبها أرشيفا، أو مكتبة، أو حتى صلاحية البحث فى مكتبة أو أرشيف مؤسسة، لينقل بسهولة من ذخائرها طرفة أو مثلا أو حكاية أو خبرا أو معلومة… وبين مقالة قدم كاتبها رؤية مختلفة عالج من خلالها ما صار متاحًا بوفرة من هذه المختارات، التى كان مجرد عرضها قيمة مضافة تمنح صاحبها صلاحية الحضور ككاتب وأحيانًا كمفكر أو حتى فيلسوف. والقائمة تطول إذا أردنا ذكر بعض من حملوا هذه الألقاب فى تاريخ الصحافة العربية.
هذا جانب من أثر سقوط الثابتين الراسخين ــ قديمًا ــ الزمن والمسافة، هذا جانب من أثر عصر الاتصال العابر للزمن والجغرافيا.
حين نعيد توصيف العصر بهذه الصيغة، يمكننا أن ننظر فى ضوء التعريف الجديد للتحولات فى أشكال الإبداع الموروثة من عصور سابقة، ولما يطرحه العصر الجديد من تطويرات وتحويرات وتغييرات فيها، ويمكننا أن نفهم كذلك أشكال الإبداع الجديدة التى يقترحها خيال الجيل الجديد المتسق مع خيال عصره.
وعندئذ فى ظنى، تنتفى شبهات التناقض التى تثير التساؤل عن أسباب «الميل إلى فن الرواية فى عصر السرعة وتدفق المعلومات»، سواء على صعيد الإنتاج أو التلقى.
ربما يصدق وصف «عصر السرعة أو عصر الإيقاع السريع وتدفق المعلومات» أكثر ما يصدق على فترة سبعينيات وثمانينيات، وبعض سنوات تسعينيات القرن العشرين؛ فوهة الانتقال بين زمنين، تلك السنوات التى كان العالم يستعد فيها، ويختبر أدواته للانتقال إلى العصر الراهن: عصر تحييد ثابتى الزمن والمسافة.
فما أبرز ملامح الإبداع فى عصر فوهة الانتقال التى تثبت أنها كانت شبيهة بإيقاع عصرها؟ وما ملامح الإبداع التى تتسق مع عصر تحييد أثر الزمن والجغرافيا؟ ولماذا ينفى فهم ملامح العصر الراهن حالة التناقض التى يراها البعض فى التحول من الشعر إلى الرواية على صعيدى الإنتاج والتلقى؟





الرجوع الي المصدر

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تم التصميم والتطوير بواسطة اتش فى اى بى اس